في المخبز!

قضى فيه عمره.. يظن أنه يصنع خبزا لا يشبه أي خبز
أحلى من أي خبز
و مرت الأيام … مات صاحب الفرن .. و جاء أولاده غيروا أشياءا لم تعجبه .. اليافطة كما هي ..لكن الخبز تغير ..اضطر أن يغادر .. و آخؤون مثله
صنعته خباز درجة أولى .. لم يجد عملا أخر .. كلما مر بجوار الفرن و رأى اليافطة .. توقف و تمنى لو يعود …لكنه يعرف أن قراره لم يكن خاطئا … !!

Advertisements

حديث الصباح و المساء

حديث الصباح و المساء

 

العنوان هو مشتق من أحد آخر أعمال للأديب نجيب محفوظ صاحب جائزة نوبل و الذي كان سببا في معركة شهيرة داخل الاخوان قبل وفاته بأيام قليلة حين زاره الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح عضو مكتب الإرشاد وقتها ليثور جدال صاخب .. هل كانت الزيارة بصفته الشخصية أم بصفته الأخوانية ؟

المهم أن الدكتور أبو الفتوح وقتها كان صاحب جدل كبير داخل الأخوان … و ما زال !

 

إذا أردت أن تكتب في حديث الساعة …. و كل ساعة … فلتكتب في نقد الاخوان ….

لا يهم أن يكون نقدا عقلانيا أو غير عقلاني

لا يهم الزاوية التي تكتب منها ..

لا يهم إذا كنت متعاطفا أو متحاملا

فالأخوان سبب فيما نحن فيه من كوارث! …( مع أن ذلك يظل مدحا لهم من وجوه عدة!!)

……………

للتعامل مع القضية الاخوانية يجب أولا الإتفاق على عدة أشياء (( و لن أسميها مسلمات … فلقد تعلمنا الكثير في السنوات الأربع الماضية )) :

أولا : الأخوان مكونة من شيئين رئيسيين ..منفصلان أحيانا و ممتزجان أحيانا أكثر … لكنهما يظلان منفصلان .. فالأخوان فكرة و منهج … كما هي تنظيم ممتد و عريق … سواء بسواء … و هذا الفصل مهم لفهم تشابكات الواقع و امكانيات الأخوان الفعلية … كما هو مهم لتحديد جهة الفعل و رد الفعل في الاخوان و غيرهم !

ثانيا: الأخوان تاريخ طويل و أثر ممتد عبر الزمن و عبر الجغرافيا ….في تاريخ العرب الحديث لا ينكر دور الاخوان في ثورات مصر و العراق و سوريا و حتى تمدين دول الخليج في الستينات و السبعينات … ثم دورهم في منع أزمات و كوارث دولية و ما زال بعضهم حتى الآن تفتح له صالات رؤساء الدول في المطارات .. و ذلك ليس لسواد عيونهم و لكن لتأثيرهم و الاحتياج إليهم

ثالثا: ما يقال عن أخطاء الاخوان حين وصلوا للحكم … دعونا نتفق أنه لا وحي بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم .. و كل ما فعله الأخوان هو اجتهاد بشري يقع في دائرة الأجر و الاجرين …. و إن كان مات و سجن و تأخرت شعوب بلاد بسبب هذه الاخطاء …. لكنه يظل اجتهادا بشريا جائزا … و من ناحية أخرى … فعظم أثر هذه الاخطاء …(( إن اتفقنا أنها أخطاءا أصلا)) يدل على عظم المسئولية و عظم التحديات الملقاة على كاهلهم .

 

رابعا: كثير من سهام النقد التي توجه للأخوان و ممارستهم السياسية خاصة في مصر تتعلق بجانب واحد و تغفل جوانب أخرى فمثلا تجد احدهم يركز حديثه عن مشاكل تنظيمية بحتة و يغفل الجانب الفكري أو العكس

و تجد آخر يركز على أخطاء بعينها في الممارسة السياسية و ينسى ان هذه الاخطاء بنت عيوب مزمنة في الفكر و في التنظيم نفسه … و هكذا ….

خامسا: إخوان كل بلد هم أنفسهم ضحايا التجريف الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي الذي تعرض إليه المسلمون عموما منذ اوائل القرن العشرين … إخوان مصر مثلا هم ضحايا ثقافة سياسية لا تعتد بالرأي الآخر كثير .. سمها ثقافة أبوية قبلية .. .سمها أي شئ … لكننا جميعا لم نرق بعد لممارسة النبي محمد صلى الله عليه و سلم مع أصحابه ولا حتى مع أزواجه و أبنائه!

 

سادسا: تطور الأخوان كثيرا عبر مسيرتهم الطويلة سياسيا و فكريا و الحق يقال …

من ذلك مثلا أن الشورى كانت مُعلمة ثم صارت مُلزمة (بضم الميم و ليس بالفتح!) و قد حصد هذه التغييرات الغنوشي …. و ما زلنا نتعلم جميعا ….

 

و حتى لا يكون كلامنا مجرد نواح و لطمية جديدة تضاف لسجل اللطميات المنثورة في بيان شر الاخوان … و من أيدهم أو عاونهم

و لأني ما زلت أعتقد شخصيا بأن صلاح العرب و المسلمين جميعا من صلاح مصر بالذات … و صلاح مصر يبدأ من صلاح الاخوان بالذات !

فهذه محاولة مبدأية للحديث عن إصلاح هيكلي و داخلي في جماعة الاخوان المسلمين …

في رأيي المتواضع أن هذه الاخطاء المتراكمة و التي وصلت حد الكوارث في بعض الاحيان .. – أيا كان حديثنا عن أحدها و تقييمه موضوعيا في سياق ظروفه و ملابساته – إلا أنه تبقى الحقيقة أن هناك أزمة ما و احتياجا حقيقيا للتطوير و التجديد و هو ليس من باب الترف بل هو من باب الأخذ بالسنن الكونية الغلابة

 

هناك تشبيه طريف لأحد قيادات الوسط المخضرمة ((جيلا و ليس حزبا)) في الاخوان … هو تشبيه الاخوان بشركة كبيرة عتيقة …. تضخمت و تفرعت حتى فقدت السيطرة و فقدت وحدة الهدف و الاستراتيجية …أفهم كلامه جيدا بالنظر الى تاريخ شركة جنرال اليكتريك التي كانت ملء السمع و البصر لعدة عقود في العالم باكمله و ليس في أمريكا فقط … ثم أين هي الآن ؟

انظر أيضا الى شركة مايكروسوفت …. هل ما زالت بنفس القوة و السيطرة؟ …. ((مع أن بيل جيتس مازال ينافس على لقب أغنى أغنياء العالم)) و هذا لقب لا يستطيع أحد من الاخوان أن ينافس عليه … ولا حتى في لقب أكثر الجماعات انجازا بمعيار القتل … حتى اعلان الخلافة ..سبقه فيه غيرهم !

الحديث ما زال لصديقنا هذا الذي يرى أن هذه الشركة الكبيرة إن لم تجدد نفسها قسيأتي جيل جديد أو “شركة” جديدة تبدأ من حيث انتهى الاخوان !

هناك ثلاث مجالات –على الأقل- يمكن الحديث عن بدء التطوير فيها :

 

1- التطوير الإداري و الهيكلي … و ما أثقل الحديث عنه … لكنه أس الأساس في اي إصلاح أو أي إفساد … إذا أردت إفساد شئ ما … فعليك بتركه للزمن وحده ولا تغير شيئا … فماذا تقول إن عرفت أن لائحة الاخوان هي هي منذ الأربعينات … بروح مؤسسها الملهم حسن البنا رحمه الله و ألفاظه أيضا … رغم ما حدث من حروب عالمية و اكتشافات علمية … ما زالت لائحة الاخوان كما هي و الحمد لله !

بالطبع هذا أمر لا يعقل .. و لكنه حقيقة …. مثل حقيقة الرئيس المؤمن المحبوب حاليا من ملايين المصريين

الاخوان كتنظيم كبير يجمع الملايين من شعوب كثييرة …. له عيوب التنظيمات البشرية … و هي مبثوثة و معروفة في كتب الإدارة المجردة … التي لا تعرف تعاطفا ولا محاباة مع تنظيم حتى لو كان اسلاميا أو مصري!

 

المطلوب ببساطة و بوضوح … لائحة متقنة محكمة .. كدستور .. يحدد الهيئات و الاختصاصات و المسئوليات

يحدد كيفية إجراء الانتخابات الشورية الداخلية حتى تكون إنتخابات حقيقية لا مجرد إجراءات شكلية .. يُجادَل بها المشككون في قرارات الاخوان أو بمعنى آخر الهدف منها إسباغ شرعية مطلوبة على قرارات متخذة سلفا في هيئات تنفيذية بحتة.

مطلوب من اللائحة تحديد السلطات الثلاث و الفصل بينها فصلا دستوريا كاملا بين الهيئات و التشكيلات التنفيذية بمستوياتها و الهيئة التشريعية و الهيئة القضائية الموجودة بشكل ضعيف لكنه غير مفعل.

 

المطلوب كثير جدا من اللائحة و هي في نظري أس الإصلاح … و بدايته .. إن أردنا الحديث عن أي اصلاح داخل جماعة الاخوان … لأنها هي التي تحدد من يقوم بهذا الاصلاح و من يجبر الهيئات التنفيذية على القيام بهذه الاصلاحات و آلية تجميع المقترحات و الأخذ بها

و على حد علمي كانت هناك عدة مشروعات جادة لهذا التطوير الإداري .. لكنها في كل مرة تصطدم بحائط منيع ممن يريدون الحفاظ على شكل قديم أو نظام خاص .. أو يحافظون على “دعوتهم” أيا كان المسمى الذي ستطلقه أنت !وهذا بالطبع يستلزم قيادة تعرف دورها وواجبها و أمانتها و تؤديها على أكمل وجه!

 

2- التطوير الثاني الذي لا يقل أهمية و إن كان ترتيبه ثانيا إجرائيا على الأقل … هو التطوير الفكري و الاستراتيجي ….

ما زال الاخوان يتدراسون كتابات الإمام الشهيد التي مر عليها قرن من الزمان تقريبا … و هي عبقرية و ملهمة بحق… لكن جرت في النهر مياه كثيرة

كتابات الأستاذ مصطفى مشهور في سلسلة فقه الدعوة مر عليها اليوم اكثر من أربعين سنة

و لا أعلم تجديدا حقيقيا في هذا الإطار اللهم بضع كتابات متناثرة في معان تربوية تنشر هنا و هناك .. و بضع وريقات تنشر داخليا حينما تكون أزمة على وشك الاستفحال فتكون هذه “النشرة” الداخلية من قبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه !

 

على مستوى الفكر السياسي الاسلامي و الفكر الاجتماعي الاصلاحي برمته هناك أسئلة مفتوحة لم يتم حلها و الإجابة عنها ..هناك أسئلة ملحة لم يتم طرحها أصلا بعد !

ما هي الدولة الاسلامية التي نسعى إليها .. هل هي تلك الدولة القومية القُطرية

(بضم القاف لا تلك الأخرى حديث الصباح و المساء في الاعلام المصري)

أم أنها شكل آخر …

ما هي علاقة السلطة بالشعب ….

ما زلنا في حاجة لتجديد الفكر السياسي الاسلامي نفسه

هل ما زلنا لحركات و تنظيمات اسلامية لمواجهة الهجمة الصهيونية الغربية و المؤامرة العالمية ؟

هل هناك إطار آخر للحركة غير “البيعة” بمفهومها و ممارستها الحالية؟

ناهيك عن الحديث عن نظرات أخرى في الحدود و الفقه و دور الشريعة و معناها !

 

3- و أخيرا التطوير الحركي و التربوي و هذا ما قد سبق فيه الاخوان فعلا و خاصة استجابة لظروف الانقلاب و ضغط الداخلية و إن كنت شخصيا أرفض أي لجوء لأي عنف تحت أي مسمى إذا كان توجها عاما … و لكن لا غضاضة فيه إطلاقا لحالات فردية بيعنها تدفع صائلا او تدافع عن عِرض منتهك

لكن هناك مستويات أخرى من التطوير التربوي في تعريفات المراحل ووسائلها التربوية و هذا كله أمره هين … إذا تم البدء فعلا فيما سبق ….

 

يقول مصطفى محمود أن المؤمن و الكافر إذا غرقا في البحر فلن ينجو منهما إلا الذي يعرف السباحة ….

و هذه قوانين الدنيا التي يتصارع فيها أهل الحق و أهل الباطل … قوانين فيزيائية كما هي قوانين اجتماعية …

يقول صاحب الرسائل –رحمه الله – “لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها”

إن من العجز بل من السفه … ان نتوقع أن يهرب الروم من أمامنا بمجرد إخراجنا السواك من جيوبنا

 

في عهد ماض كانت سمته العباقرة و الموهوبون

لكن هذا العصر هو عصر المؤسسات و عصر الهيئات الجامعة و الفرق البحثية .. في كل شئ .. في الفيزياء و في الطب كما في الفقه و قيادة الشعوب و الأمم

إن مما شاب عمل الأخوان هو تنكبهم عن التدقيق و طلب الكمال … و من ذلك النكوص عن الشورى النزيهة ناصعة البياض … فجانبهم التوفيق مهما طلبوه في أسباب أخرى

 

طبعا هذا كله هو مجرد رصيد نظري للبناء عليه و التعديل فيه …

قد يقول قائل لا مجال الآن لهذه السفسطة و المعركة دائرة !

و قد يقول آخر: و أين هم قيادات الاخوان للكلام عن تعديل و تطوير ؟

لكنها شهادة و امانة … لعلها تصيب يوما ما في مكان ما !